السيد حيدر الآملي
51
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
بل من العناصر الأربعة ، لكن نسب نفسه إلى النّار للأغلبيّة ، لأنّ جزء النار أغلب في الجنّ الّذين منهم الشيطان من أجزاء أخر ، فحينئذ يكون المراد بالتّراب الأرض وما عليها من المركّبات في خلق آدم ، وبالنّسبة إلى الماء الحقيقي يكون العلوم الظاهرة الحاصلة من الحسّ بمعاونة الفكر . وإذا تقرّر هذا فكلّ علم يكون منبعه ومنشأه الحواسّ الظاهرة والباطنة كالعلوم الكسبيّة المذكورة ، نسبته إلى التّراب أولى وأنسب ، وكل علم يكون منبعه ومنشأه الكشف والفيض من العلوم الإلهيّة والمعارف الرّبانيّة المعبّر عنها بالوحي والإلهام واللدنّي وغير ذلك ، نسبته إلى الماء أولى وأنسب ، وإليهما أشار الحقّ تعالى في قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ المائدة : 66 ] . وقد سبق : أنّ المراد بهذا الفوق : العالم الروحاني والعلوم النازلة منه ، وبالتّحت : العلوم الجسماني والعلوم الحاصلة منه ، لأنّ قول المفسّرين في هذا المقام ليس على الأصل الصّحيح ، لأنّهم قالوا : المراد بأكل الفوق : المطر ، وبأكل التحت النبات ، وليس هذا بصحيح لأنّ المطر والنّبات يحصل ( يحصلان ) لمن يقوم بالتوراة والإنجيل والقرآن ولغيره من الإنسان والحيوان اللّذين ليس لهم هذا القيام ، والحال أنّ حصول هذين الأكلين موقوف على قيام التوراة والإنجيل والفرقان ، ووجود المشروط بدون الشرط مستحيل ممتنع ، وهذا لا يخفى على اللّبيب الفطن . فأهل الطريقة إذا لم يكن لهم تمكّن من طهارة الباطن بماء العلوم الحقيقيّة لمانع من الموانع يجوز لهم التوجّه إلى العلوم الظاهرة المذكورة